منكر ونكير

كان ذلك في العام 1963، حيث كانت تقام فجأة أيام العيد مدينة العاب شرق المخيم ؛ أراجيح تبنى من خشب الطوبار، ثم فجأة تختفي بعد انتهاء العيد ، لكن ليس هذا هو الموضوع، المهم في الأمر أن الاشتراك في المرجوحة كان يكلف الواحد منا خمسة فلوس، حيث يقوم صاحب المرجوحة بوضع اربعة أطفال في الصندوق ثم يدفعهم من خمسة الى سبعة أشواط بينما نغني أهازيج العيد..
.
ايضا ليس هذا هو المهم في الموضوع، لنقل اني حصلت على سبعة اشواط بخمسة فلوس ( تعريفة) ثم توقف صاحب المرجوحة لينزل ثلاثة من الاطفال : ويضع غيرهم ممن ينتظرون دورهم ، بينما انا ظللت ساكنا بخبث داخل الصندوق ولم ينتبه الي صاحب الارجوحة، ربما لم يرني ، او لان حجمي كان صغيرا، المهم وهنا بيت القصيد تمرجحت مرة ثانية ببلاش ؛ ولم ادفع ال (تعريفة) لصاحب الارجوحة.
لم تسعني الدنيا حين عدت للبيت هاشا باشا لابلغ امي (أم موسى) بانتصاري الكبير !! اني تمرحجت ببلاش . وكنت اتوقع من الوالدة ان تهلل لهذا الانجاز العظيم.
.
بعد ان استمعت الوالدة لقصة انتصاري لم تبد ابتهاجا ؛ وهي التي كانت تبيتهج لجميع (اختراعاتي) في صناعة الطائرات الورقية او سيارات الاسلاك او ذاك الاختراع العظيم ؛ حين جمعت بطاريات جافة مستهلكة ووضعتها داخل اسطوانة كرتونية التي يلف عليها اثواب القماش، وركبت على القطب الامامي لمبة صغيرة كنا نسميها ( بز) ثم اوصلته بالقطب الثاني بسلك ، وصارشيئا يشبه الكشاف الكهربائي ، ظل هذا حديث والدتي المتكرر لنساء الحي لعشرات المرات حتى الملل، وانا اخفي انه منسوخ عن كتاب العلوم في المدرسة ..
.
لنعد للموضوع؛ الوالدة التي كانت تهلل لاي عمل لي تحوله لانجاز عظيم من ابنها الوحيد لم تهلل بل قالت بصوت خافت يوحي بالرهبة:
– طيب بكره لما تموت ويجي لك في القبر منكر ونكير ويقولوا لك: هات التعريفة تاعت صاحب المرجوحة طبعا راح تقول لهم ما معي!! فيضربوك بالدبوس ( عصا غليظة ذات رأس مكور ضخم) فتنزل من قوة الضربة في الارض السابعة، وترجع مرة ثانية للقبر!! يردوا يسألوك مرة ثانية : وين تعريفة الزلمة صاحب المرجوحة؟؟ وتجاوب نفس السؤال ويردوا يضربوك بالدبوس حتى تجيب إلهم التعريفة!!
هي تتحدث وانا اتخيل نفسي اغرق في طبقات الارض حتى اصل للطبقة السابعة ثم تلفظني ثانية لاعود للقبر …
لم انم تلك الليلة خوفا ان اموت ولا اتمكن من اعطاء الرجل فلوسه الخمسة..
.
لم يكد يشعشع الفجر حتى كنت انتظر جوار المرجوحة المكومة بانتظار تجمع الاطفال … ولما جاء الرجل هرعت اليه: عمي عمي!! .. خذ تعريفتك امبارح تمرجحت وما اعطيتك !! ربت الرجل على كتفي وقال : عافاك عافاك .. انت ولد أمين .. يخليك لأهلك!!
عدت راكضا فرحا .. المهم اني نجوت من الدبوس…
للدكتور :موسى صبيح

اشباح الغابة

وصلت قرية الخضراء في جيزان المحاذية لليمن بجنوب السعودية بداية شهر 9/ 1975 . وكنت المدرس الفلسطيني الوحيد في المدرسة ، والبقية مصريون وسعوديون.. وقرية الخضراء اسم على مسمى؛ فهي قرية تقع على ضفتي واد يسيل كنهر اذا ما حدثت امطار موسمية في اليمن ، ولذلك كانت تمتد غابة من الاحراش على ضفتي الوادي بعمق 1.5 كم تقريبا على الضفتين ،، وكانت مدرسة الذكور في الجزء الجنوبي ..
عند بدء الدراسة ،علمت من مدرسي المدرسة ، انه تم افتتاح مدرسة للاناث في الجزء الشمالي من القرية، وقد أحضر لها مدرّستان جاءتا من مخيم جنين بالضفة الغربية بفلسطين يرافقهما محرم ؛ اتيا للسعودية لاول مرة وان محرمها في حال من التوتر ويخشى على شقيقتيه من التعرض لأذى..
.
بعد انتهاء الدوام وقبيل العصر، ذهبت لزيارته ، كان في في منتصف الثلاثينيات فرحب بي بشدة… طبعا جلسنا حوالي ساعة نتعارف انا ورشيد امام ( العشة وهو سكن سائد للجميع في ذلك الوقت.. وامام العشة خص من القش للظل .. ) عرفته على نفسي وطمأنته على الاوضاع وعن اهل القرية الطيبين وغير المتوقع منهم الاذى الى آخره..
.
عمل رشيد لاحقا في القرية وبشكل متقطع عند احد الشيوخ كسائق وكان يحضر لي حاجاتي من المدينة مثل الخبز الطازج والمواد التموينية مثل كبدة الخروف التي كان اهل جيزان لا ياكلونها التي كانت شحيحة ومعظم المدرسين كانوا يعجنون ويخبزون بايديهم … المهم رشيد يمر علي صباحا يسلم من شباك الصف ، وازوره عصرا حتى المساء مرتين الى ثلاثة في الاسبوع في بيته نجلس امام العشة نتجاذب الحديث ونشرب الشاي … واعود مساء لدى أذان المغرب سيرا على الاقدام احمل عصا واقطع الغابة على ضفتي الوادي..!!
كل هذه مقدمة للقصة الحقيقية ..
.
بعد عدة شهور اذا بطالب في الثالث الابتدائي يقول لي ان اهل القرية يقولون ان الفلسطينيين ابطال لاني اذهب للقرية مساء واعود بعد ان يحل الظلام … وانها صارت قصة يتداولها اهل القرية… عن الشجاعة والجرأة … الخ.
ولما سألته عن السبب قال أن (الصنيف ) يعني الغابة مسكونة بالاشباح وحدثني عن قصص مرعبة لشخصيات مسماه من انواع الجان تتداولها الاجيال…
لم يخطر ببالي مثل هذه الافكار وكنت في حينها اميل للتفكير العلماني بمعنى عدم الاعتقاد بمثل هذه المعتقدات .. ولم اواجه اي من مؤشرات لما سمعت ..
اسقط حديث التلميذ في يدي، وعادت كل قصص الطفولة عن هذه الاشياء تستولي على تفكيري ن ولم اذهب لزيارت رشيد طوال اربعة ايام …
.
عانيت من صراع داخلي قوي ؛ وحز في نفسي ان يقول اهل القرية ان الاستاذ لما علم بوجود الاشباح خاف منها ،، وان الفلسطينيين جبناء..
وفي اليوم الرابع حسمت الصراع لاعاود الزيارة كالعادة… ولم احدث رشيد عن اي شيء مما سمعت.. خشية ان ينتقل اليه واخواته المدرسات خوف لا مبرر له …
عدت كالعادة وحيدا في المساء وكان الظلام متوسطا تتوسط السماء القمر .. اسير علىى الاقدام وحيدا الا من عصا وكان معي مصباح كهربائي على بطاريات كنا نسميه (بيل).
لما صرت وسط الغابة بدأت أسمع اصواتا غريبة ، ممكن ان تكون مرعبة … فأٌتوقف عن المشي ، أو اجلس، اصيخ السمع واسلط الضوء على مصدر الصوت واحاول تفسيره …
المهم استغرقتني تلك الرحلة حوالي ساعة ونصف! تبين لاحقا ان تلك الاصوات المرعبة ناتجة غالبا من خليط من حركة الريح بين الشجر مختلطة باصوات الحيوانات أوحركتها داخل الغابة ..
.
استمر التواصل بيننا – انا ورشيد- حتى نهاية العام ، ثم التقينا بمطار جدة لدى المغادرة حيث كان المطار مكان اقامة لاغلب المدرسين والمدرسات – يفترشون الارض وينامون على قطع من الكرتون لايام كحال يشبه اللجوء – لحين التوجه كل لبلده؛ وافترقنا في مطار عمان.

اترك رد

Please log in using one of these methods to post your comment:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s